سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
13
الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم )
الفصل الثاني : في ذكر السبب الباعث على وضع هذا الكتاب ، وهو ضربان : كلي ، وجزئي . أما الكلي : فهو أن المسلمين منذ ظهر الإسلام يستفيدون أصول دينهم وفروعه من كتاب ربهم ، وسنة نبيهم ، واستنباطات علمائهم ، حتى نشأ في آخرهم قوم عدلوا في ذلك عن الكتاب والسّنّة إلى محض القضايا العقلية ، ومازجين لها بالشبه الفلسفية ، والمغالطات السوفسطائية ، واستمر ذلك حتى صار في أصول الدين كالحقيقة العرفية ، ولا يعرف عند الإطلاق غيره ، ولا يعد كلاما في أصول الدين سواه ، فجاء ضعفاء العلم بعدهم ، فوجدوا كلاما فلسفيا ، ليس من الدين في شيء ، مع أن أئمة الدين ومشايخهم نهوا عنه مثله ، وشددوا النكير على من تعاطاه ، فضاعت أصول الدين عليهم ؛ وضلت عنهم ، إذ لم يعلموا لهم أصول دين [ غيره لغلبته ] عرفا . وإنما عدل المتأخرون في أصول الدين عن اعتبار الكتاب والسّنّة ، إما لجهلهم باستنباطها منها ، أو ظنا أن أدلة السمع فرع على العقل ، فلا يستدل بالفرع مع وجود الأصل كشاهد الفرع مع شاهد الأصل ، أو زعما منهم أن الكتاب غالبه الظواهر ، والسّنّة غالبها الآحاد . ومثل ذلك لا يصلح مستندا في المطالب القطعية الدينية أو لأن خصومهم من الفلاسفة والزنادقة ونحوهم لا يقولون بالشرائع ، ولا يرون السمعيات حجة ، فلا يجدي الاحتجاج عليهم بها ، أو لغير ذلك من الخواطر والأوهام / [ 3 أ / م ] . وأما السبب الجزئي : فإني رأيت بعض الناس قد كتب مسائل يسأل عنها بعض أهل العلم ، منها هذا السؤال وهو : أن الناس هل لهم أصول دين أم لا ؟ فإن لم يكن لهم أصول دين فكيف يكون دين لا أصل له ؟ وإن كان لهم أصول / [ 3 / ل ] دين ، فهل هي هذه الموجودة بين الناس ككتب الإمام فخر الدين بن الخطيب « 1 » وأتباعه ونحوها ؟ أم غيرها ؟ وكيف ذم أئمة الشرع الاشتغال بأصول الدين مع أنه لا بد للدين من أصول يعتمد عليها ؟ ولو علم هؤلاء الملبوس عليهم أن أصول الدين الحقيقية التي هي أحد فروض الكفايات في طي الكتاب على أبلغ تقرير وأحسن تحرير ، بحيث لا يستطيع الزيادة عليها متكلم ولا فيلسوف ، وحتى إن المسلمين إنما استفادوا طرقهم الكلامية أو أكثرها منهما ، لما قالوا ذلك . ونحن نجيب عن هذا السؤال المذكور على جهة الفتيا والاختصار ؛ لئلا تبقى شبهة في
--> ( 1 ) هو محمد بن عمر بن الحسين أبو عبد اللّه فخر الدين الرازي الشافعي المعروف بابن الخطيب توفي سنة 606 ه انظر وفيات الأعيان [ 3 / 381 ] وشذرات الذهب [ 5 / 21 ] .